النويري
53
نهاية الأرب في فنون الأدب
وما هي ؟ قال : هذا طالوت يسأل هل له من توبة ؟ فقالت : لا واللَّه ما لطالوت من توبة ، ولكن هل تعلمون مكان قبر أشمويل ؟ قال نعم . قالت : فانطلقوا بي إلى قبره ، ففعلوا ، فصلَّت ثم نادت : يا صاحب القبر أخرج . فخرج أشمويل من قبره ينفض رأسه من التراب . فلمّا نظر إليهم ثلاثتهم . المرأة والجبّار وطالوت قال : مالكم ! أقامت القيامة ؟ قالت : لا ، ولكنّ طالوت يسألك هل له من توبة ؟ قال أشمويل : يا طالوت ، ما فعلت بعدى ؟ قال : لم أدع من الشرّ شيئا إلَّا فعلته ، وقد جئت أطلب التوبة . قال : كم لك من الولد ؟ قال : عشرة رجال . قال : ما أعلم لك من توبة إلَّا أن تتخلَّى عن مالك وتخرج أنت وولدك في سبيل اللَّه ، ثم تقدّم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ، ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم . ثم رجع أشمويل إلى القبر وسقط ميّتا ، ورجع طالوت أحزن ما كان ، رهبة ألَّا يتابعه أولاده ، وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ، ونحل جسمه . فدخل عليه أولاده فقال لهم : أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تنقذوننى ؟ قالوا : بلى ، ننقذك بما قدرنا عليه . قال : فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول . قالوا : فاعرض علينا ، فذكر لهم القصة . قالوا : فإنك لمقتول ؟ ! قال نعم . قالوا : فلا خير لنا في الحياة بعدك ، قد طابت أنفسنا بالذي سألت . فتجهّز للغز وبماله وولده ، فتقدّم ولده فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا ؛ ثم تقدّم فقاتل بعدهم حتى قتل . فجاء قاتله إلى داود يبشّره وقال : قد قتلت عدوّك . فقال داود : ما أنت بالذي تحيا بعده . فضرب عنقه . وحكى الكسائىّ : أنّ طالوت لمّا حسد داود على ما أوتى من القوّة ، وهمّ بالغدر مرارا فلم يظفر به وظفر به داود فأبقى عليه ، اعتذر له طالوت واتفقا ؛ ثم مات أشمويل ، فانضمّ بنو إسرائيل إلى داود واختلفوا على طالوت وحاربوه ؛ فاستقلّ داود بالملك ، وجاهد ببنى إسرائيل وقهر الأعداء . واللَّه تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .